إطمئن.. يزن! لن تلوي ذراعنا «المصائر المتعثرة»!

علي سيف
كاتب

تحت عنوان: “إتجاه”: المصائر المتعثرة (الأخبار، 26 حزيران 2015)، يلاحظ يزن الحاج “تهافت فكرة تدهور المجلات الفكرية وانتفاء دورها” في عصر ما بعد الحداثة، وخلوّ الساحة الثقافية العربية – أو تكاد تخلو- من المجلات عدا تلك المكرّسة خليجياً، متوقعاً أن تواجه المجلات المتحررة، مالياً وسياسياً- ومنها، طبعاً “اتجاه” – أحد “المصائر المتعثرة” : الإغلاق الكلي أو – في أفضل الأحوال- التحول من فصلية إلى سنوية!
في هذا السياق، وفي إشارة إلى المصير الذي ينتظرها، يلاحظ كاتب المقال أن كتّاب “إتجاه” خاصة كتاب العدد الماضي (29)، هم من “أصدقاء” وليس من “أسرة” التحرير، دون أن يشرح لنا، صراحة، ما تعنيه هذه العبارة، وإن كنا فهمناها ترميزاً. ولا ينسى أن يشير بثقة العارف إلى أن المجلة تباع بجهود ذاتية، وأن مصيرها مرتبط بمصير “أسرتها” حيث تبدو كأنها “آخر حبل نجاة في هذه الأيام”!.
إذ نشاطر الكاتب في كل ما قاله بخصوص “إتجاه” – باستثناء أفول نجمها الذي لا نوافقه عليه- وما قاله أيضاً في مثيلاتها من الصحف الفكرية العربية الملتزمة قضايا الإنسان والحداثة والسيادة والتقدم، لجهة ضرورتها في هذا العصر بالتحديد، ولجهة الجهود الذاتية التي تبذلها في التمويل والتسويق والتوزيع، في مواجهة تنّين المجلات المكرّسة خليجياً، فإننا، احتراماً للكاتب والأصدقاء والقراء، نوضح ما يلي:
• ليست “إتجاه” مجلة فئة من الناس أو منبر معيّن، ثقافي أو أيديولوجي أو خلافهما، يشهد على ذلك تنوع الموضوعات التي تنشرها، وتوزّع كتّابها على جغرافية العالم العربي كله تقريباً.
ثم أن “اتجاه” تنتشر في الأوساط الجامعية العربية، خصوصاً في دول المغرب العربي ومصر، فضلاً عن دول المشرق المتعثرة حالياً في ظروفها الداخلية جراء الحرب العدوانية عليها.
وتكرّس “اتجاه” لنفسها حضوراً لافتاً في المؤتمرات التي تعقد في الجامعات في لبنان والخارج، وتكاد تكون المجلة الأكاديمية الوحيدة في العالم العربي التي تتميّز بهذا الحضور، وتوزّع مباشرة على قرائها، خصوصاً في المؤثرات، دون وسيط أو بدل أو رقيب!
• إن تعبير “أصدقاء التحرير” ليس عنواناً أو مصطلحاً نستعمله، اليوم، في مرحلة “المصائر المتعثرة”، تمويهاً أو تضليلاً، بل نعتمده منذ العدد الأول (1996)، وهو مصطلح جديد نشير به إلى كتّاب كل عدد، على حدة، وقد اخترناه كما اخترنا شكل المجلة وغلافها وتبويبها، لتكون متميزة في جيلها.
• نعم، إن مصير “إتجاه” مرتبط بمصير أسرتها، ولكننا نزعم أن اسرتها كبيرة وأصدقاءها كثر، وإنها (الأسرة) وإنهم (الأصدقاء) تمتد، كما يمتدّون، على الجغرافية العربية من طنجة إلى البصرة! ولذلك لا نخشى كثيراً أن تتعثر، بعد اليوم، بأي من المصائر التي يخشى عليها منها صاحب المقال! وسنصرّ على أن تصدر “فصلية” وأن تستمر في تنكب مسؤولياتها السياسية والقومية والفكرية، في مواجهة أبواق التبعية والإنهزامية والسقوط!
إطمئن.. يزن!
لن نخذلك!

في ماهيّة الفلسفة وضرورتها

ناصيف نصار
فيلسوف عربي معاصر

في 28 أيار/مايو عام 585 ق.م. أي منذ 26 قرناً، استطاع طاليس ذو الجذور الفكرية المشرقية، أن يتنبّأ بحدوث الكسوف ويحدّد موقعه بدقّة.. الأمر الّذي دفع المؤرخين لأن يعتبروا ذلك التاريخ بداية انطلاق الفلسفة.
إحتفاءً بهذه المناسبة، ننشر في ما يلي دراسة للفيلسوف ناصيف نصار بعنوان “ماهيّة الفلسفة وضرورتها”، كان قد ألقاها في الرباط في حفل تكريمه في شباط/فبراير 2014، ونشرها مركز دراسة الوحدة العربية في كتاب صدر مؤخّراً تحت عنوان “ناصيف نصار: من الاستقلال الفلسفي الى فلسفة الحضور” ضمّ الى هذه الدراسة مجموعة النصوص التي ألقيت في المناسبة. كما ننشر مقالاً لمؤسس علم الإقتصاد السياسي آدم سميث تحت عنوان “أصل الفلسفة” مستلاًّ من كتابه “مقالات فلسفية” الذي ترجم الى الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.
مقدمة
-1 القول في ماهية الفلسفة:
إن القول في ماهية الفلسفة ملازم لخطابها وتاريخها. فهو إذن، قول فلسفي في الفلسفة؛ قول يسأل عن ماهيّة الفلسفة من داخل الفلسفة. فكيف يمكن ذلك؟ يفترض الجواب أن السؤال عن الماهية من اختصاص الفلسفة، بحيث يكون السؤال عن ماهية الفلسفة سؤالاً تطرحه الفلسفة على نفسها عن نفسها، على شاكلة السؤال عن ماهية أي ظاهرة من الظواهر في العالم. ولكن، ألا يعني ذلك أن فلسفة الماهية هي ماهية الفلسفة؟
الاستنتاج صحيح؛ ولكنه لا يخلو من التباس، فلا بدّ من توضيحه بحيث يكون معناه أن فعل الفلسفة لا ينحصر في مسألة الماهية على العموم فقط، بل يعتبر هذه المسألة مدخلاً إلى البحث في مضمون كلّ ماهية، ومن بينها ماهية الفلسفة. إذا كان ثمة ماهية للفلسفة، بموجب فلسفة الماهية على العموم، فما هي تلك الماهية على الخصوص؟ ما الفلسفة؟ ولماذا الفلسفة؟ وأين نحن من الفلسفة؟ هذه أسئلة كانت ولا تزال جوهريّة من أجل التفلسف: وفي الحقيقة، يكفينا من فلسفة الماهية قولها بوجود عناصر تكوينية ثابتة مميّزة للظواهر بعضها من بعضها الآخر، حتى نشرع في البحث عن ماهية الفلسفة من دون أي ادّعاء مسبق حول نوعيّة عناصرها ومدى ثباتها عبر العصور والممارسات المختلفة. وهذا يعني أن القول في ماهيّة الفلسفة يفترض إمكان القول في الماهية، ويحكم القول الفلسفي في جميع الظواهر على أنواعها.
-2 خصوصيّة القول في ماهيّة الفلسفة:
تظهر خصوصية القول في ماهية الفلسفة بمزيد من الوضوح بمقارنته مع القول في ماهية الدين، والقول في ماهية العلم، والقول في ماهية الفن. فلا شكّ في أن الوعي الديني ينطوي على شعور ما بماهية الدين؛ ولكنه لا يهتمّ فعليّاً بالبحث في ماهية الدين بقدر ما يهتمّ بتحقيق الدين وبسط مضامينه ومستلزماته في حياة الناس، أفراداً وجماعات. ينتقل الوعي الديني من الشعور بماهية الدين إلى التفكير مليّاً في ماهية الدين إذا تسرّب إليه السؤال النظري العام عن ماهية الدين، وهو سؤال فلسفي بامتياز. ومن هنا، فإن الثقافة التي لا تمتلك نتاجاً متيناً من فلسفة الدين لا تستطيع أن تتعاطى مع ماهيّة الدين وعلاقاته بأنشطة الإنسان المتعدّدة بطريقة عقلانيّة ونقديّة عادلة. وكذلك العلم، إذ إنه لا يأبه بالبحث في ماهيته بقدر ما يسعى لمراكمة إنجازاته، ملتفتاً إلى مسألة ماهيته كلّما صادف تقدّمه تساؤلات أو اعتراضات منهجيّة أو تفسيريّة أو تطبيقيّة طارئة. غير أن العلاقة بين العلم وفلسفة العلم تختلف اختلافاً كبيراً عن العلاقة بين الدين وفلسفة الدين، بسبب اشتراك العلم والفلسفة في العقلانيّة والشكّ المنهجي؛ ولكن من دون أن ينفي هذا الاشتراك أن القول في ماهية العلم قول فلسفي، وليس قولاً علميّاً، ولو أنتجه الوعي العلمي نفسه، تماماً كما أن القول في ماهية الفن قول فلسفي، وليس قولاً فنّياً، ولو أنتجه الوعي الفني نفسه. والحقّ أن الفن لا يستدعي الفلسفة على النحو عينه الذي يعرفه العلم والدين، لأنه يتبع قيمة الجمال في المقام الأول، وليس الحقيقة. ولذلك، فإن القول في ماهيته أقل التصاقاً بمشكلة المعرفة من القول في ماهية العلم وماهية الدين وماهية الفلسفة.
وعليه، فإن الفارق الحاسم بين القول في ماهية الفلسفة وبين القول في ماهيات العلم والفن والدين يكمن في مسألة المرجعيّة. ففي حين يحتاج القول في ماهية العلم، وماهية الدين، وماهية الفن، إلى مرجعية الفلسفة، لا يحتاج القول في ماهية الفلسفة إلى مرجعيّة أعلى من الفلسفة. أي أن الفلسفة هي المرجع للقول في ماهية الفلسفة. وليس في الأمر إشكال منطقي، لأن القول في ماهية الفلسفة، بعيداً عن التسلسل إلى ما لا نهاية، ليس سوى عبارة عن وعي الفلسفة بنفسها كموضوع لنفسها وهي تحقق نفسها. الوعي الفلسفي يمتلك في ذاته القدرة على فهم ذاته، وقدرته على فهم ذاته هي نفسها قدرته على تحقيق ذاته. فإذا كان ثمة سرّ، أو ما يشبه السرّ، في انبثاق الوعي الفلسفي في تاريخ الفكر البشري، بوصفه نمطاً خاصّاً من الوعي والتفكير، فإن فهم هذا الوعي لنفسه، بعد انبثاقه، يجري بالتأمل في نفسه عبر تجلّياته وتحوّلاته المتعاقبة. من هنا، بحثه الدائم عن ذاته في مجرى التاريخ، تاريخ الفلسفة، وتاريخ الحضارة، وإمكان تعدّد الأقوال في ماهيّته، الأمر الذي يتيح لكلّ فيلسوف، أو لكلّ عصر من عصور الفلسفة، أن يسهم، بما هو وحيث هو، في بناء وإعادة بناء التصوّر المشترك عن ماهية الفلسفة.
-3 راهنيّة القول في ماهيّة الفلسفة:
إن النتيجة المباشرة لاستمرار السؤال عن ماهية الفلسفة وتجدّده هي أنه راهنٌ اليوم كما كان راهناً في كلّ عصر مضى من عصور الفلسفة .ولعلّه أكثر راهنية اليوم مما كان عليه في العصور الماضية، لشدّة ما عرفته الفلسفة في الأزمنة الأخيرة من توسّع وتفرّع وتخصّص وتشتّت وتضارب في التيار الواحد أحياناً، ولكثرة العقبات التي لا تزال، في ثقافتنا، منذ بدايات عصر النهضة إلى اليوم، تحول دون التعرّف الدقيق إلى أصالة الفكر الفلسفي أو دون الاعتراف بأهمية دوره وضرورة تنميته، أو دون تحديد الطرق الصحيحة للإبداع فيه، بحيث إنه يتوجّب علينا أن نستحضر ماهية الفلسفة، المستمرة من وراء استمرار السؤال عنها، برؤية جديدة، متجاوبة مع متطلبات عصرنا، يظهر فيها المفهوم العام للفلسفة متميّزاً عن مفاهيم الدين والعلم والأيديولوجيا والأسطورة والطوبى والفن، ومتميّزاً أيضاً عن مفهوم المهمّة أو الدور الذي يتعلّق بكيفيّة تحقيق الفلسفة لمقصدها العام بحسب خصوصيّات المجتمعات والثقافات في التاريخ.
لذلك، ينبغي لنا، نحن الناطقين بالضاد، ألّا نتهاون في تحمّل مسؤوليتنا في مسألة راهنيّة السؤال عن ماهية الفلسفة. فالمسألة تعنينا لأسباب كثيرة، نتضافر لكي تدلّنا في الحصيلة على كيف يمكننا أن نتجه في ممارسة الفلسفة. إذا كان للفلسفة ماهية تخصّها، فإن ممارستنا للفلسفة إذا أردنا أن نتفلسف حقّاً تقتضي الانتظام في مفهوم الفلسفة، وليس في مفهوم أي نمط من أنماط التفكير الأخرى، كما تقتضي أن نحدّد بأنفسنا المهمة المتوّلدة من وضعيتنا الحضاريّة الراهنة من أجل إعطاء الفلسفة حقّها وحضورها الفاعل في حياتنا ومصيرنا، ومصير البشريّة من حولنا. وعلى هذا النحو، نستوعب ما يقوله هيغل من أن الفلسفة بنت زمانها، وما يضيفه ماركس من أن الفلاسفة لا ينبتون كالفطر. فالممارسة الفلسفية بنت زمانها من حيث إنها تحدّد مهمتها تجاوباً مع أسئلة عصرها وتحوّلاته العميقة؛ ولكنها، إذ تفعل ذلك، تحيل على ماهية كونيّة للفلسفة تجد نفسها مسوغة في إطارها. المسألة تعنينا لأسباب كثيرة. وإذا أردنا تقريبها من إفهام الجمهور، على سبيل الاختصار والإشارة إلى بؤرة ملتهبة في هذه الأيام في معظم البلدان العربيّة، فإننا نطرح السؤال الآتي: ماذا تفعل الفلسفة في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية وبعدها، في الديمقراطية؟ ثمة مهمة أو أكثر للفلسفة في هذه المرحلة، ليس أقلّها الدفاع عن الديمقراطية ضدّ أعدائها. ولكن من الواضح أن القيام بتلك المهمة، أو المهام، يتأسس على مفهوم محدّد للفلسفة يسوّغ للفيلسوف أن يدافع عن الديمقراطيّة وأن يهاجم أعداءها. بكلام آخر، إذا قلنا إن ماهيّة الفلسفة تحليل منطقي للخطاب وحسب، فكيف يكون دفاعنا الفلسفي عن الديمقراطيّة؟ هل يكفي التحليل المنطقي للخطاب السياسي لكي نعرف ما هي الديمقراطيّة ومن هم أعداؤها، ولماذا نفضّلها على غيرها من الأنظمة الاجتماعية السياسية؟ بالطبع لا. ولكن هذا لا يعني أننا نذهب إلى ماهية الفلسفة مما نرغب لها من أدوار، بل نذهب إلى أدوارها من ماهيتها، بطريقة الاشتقاق والتطبيق في جدليّة التاريخ الحضاري والوعي الفلسفي. وما الدور الذي يمكنها أن تؤديه دفاعاً عن الديمقراطية سوى واحد من الأدوار المتعدّدة التي يمكنها أن تؤديها، بحسب اختلاف المجتمعات والعصور، اشتقاقاً من ماهيتها.

أصل الفلسفة – آدم سميث، ترجمة الى العربية

آدم سميث
ترجمة عفيف عثمان

حول النص
عُد آدم سميث (1723 – 1790) المؤسس الحديث للإقتصاد السياسي من خلال بحوثه حول طبيعة ثروات الأمم وأسبابها. والى ذلك، عُد فيلسوفاً من المدرسة الأسكتلندية مُعاصراً لدايفيد هيوم (D. Hume) ومؤلفاً لـ “ نظرية العواطف الأخلاقية” (Théorie Des Sentiments Moraux) (1759). تُرجِم كتابه “مقالات فلسفية” (Essais Philosophiques) الى اللغة الفرنسية في القرن الثامن عشر( 1797) على يد جان – بيار جاكسون (J. P. Jackson)، وهو يُشكل عنصراً أساسياً لفهم مذهبه الذي يُظهر البُعد الإنساني الشخصي مثابة ركيّزة لفكره الإقتصادي.
يضع سميث بضعة مبادىء توجه بحوثه الفلسفية، يُبرزها إنطلاقاً من سرد قصص ثلاثة علوم (أو التورخة لها) : علم الفلك ( أو علم الهيئة عند العرب) (Astronomie) وفيزياء القُدماء ومنطقهم والميتافيزيقا. ومن خلال هذه التعبيرات حاول آدم سميث أن يُحدد طبيعة ومنبع التساؤل الفلسفي. لذا، أتى نص “أصل الفلسفة” من ضمن “قصة علم الفلك”. وبإقامة هذه البانوراما الواسعة التي حاول سميث عبرها رسم المبادىء المتحكمة بهذا التساؤل الفلسفي، وجد نفسه مُنقاداً الى اكتشاف ميزات الطبيعة البشرية والى تدبيج “نظرية العواطف الأخلاقية”، وتشييد الإقتصاد السياسي الذي عرضه في “بحوث حول طبيعة ثروات الأمم وأسبابها”. وبهذا المعنى، تغدو “المقالات الفلسفية” مثابة الأساس الفلسفي لفكره.

النص
في القرون الأولى لبدايات الحياة الإجتماعية وقبل توطيد القوانين والنظام والأمان، كان إهتمام الناس ضئيلاً في اكتشاف تلك السلاسل الخفية التي تربط المظاهر الطبيعية بعضها ببعض حيث لا تتبين لنا الصلة من أول وهلة. فالإنسان البري (أو المتوحش) الذي يتميز قوام عيشه بالهشاشة، وحياته معرضة كل يوم للأخطار الداهمة، لا يملك نزوعاً للتسلية في البحث عما لا ميَزة له، غير إغداق الثناء على مخيلته مُقدماً لها الطبيعة في مظهر أكثر ترابطاً، ومثيرة للإهتمام في الآن عينه. والكثير من هذه الأمور الصغيرة غير المتماسكة، والتي في مجرى الأشياء توقع الفيلسوف في نوع من الحيرة، هي في منجاة من عناية الإنسان البري. الأمور غير المنتظمة (الشاذة) التي تقدم نفسها في أبهة أكثر، ويُدهشه سطوعها لا محالة، تضعه في حال من الذهول: المذنبات والكسوف والرعد والبرق، وظواهر جوية أخرى تطبع فيه بعِظمِها شعوراً من الإجلال يُقارب ذلك الخاص بالذعر.
قلة خبرته، جهله بكل ما يحيط به، فهو لا يعرف كيف يحدث كل شيء ولا ما ينبغي أن يتبع ذلك أو يسبقه، كل هذا يُساهم في إنحلال مشاعره الأولى في الرعب وفي الذهول. لكن، وكما لاحظ مالبرانش (Mallebranche)، فإن كل إنفعالاتنا تُبرر نفسها بنفسها، أي أنها تقترح علينا الآراء التي يمكن أن تُبررها. وبما أن هذه المظاهر تخيفه، فإنه يملك قابلية تصديق كل ما من شأنه أن يجعل منها موضوعات للرعب، مُقتنعاً أنها تصدر عن أسباب تحوز ذكاءً وغير مرئية، وأنها علامات أو آثار غضبها أو إنتقامها. إنها من قبيل الآراء الأقدر على إثارة هذا الإنفعال، وقس على ذلك كل ما هو الأكثر استعداداً لتلقيه. يتعزز هذا النزوع من خلال الريبة والجبن، وهي جد طبيعية لدى الإنسان غير المتحضر، المحروم من حماية القوانين، وحده من دون دفاع، يشعر بضعفه في كل المناسبات، ويكون على خلاف ذلك حيث يستطيع الشعور بقوته والتنعم بأمانه.
مع أن أشياء الطبيعة غير المنتظمة ليست كلها من النوع الهائل والمخيف: فالبعض منها لا يُقدم إلا جمالاً أو مُتعاً. نفس القابلية الذهنية التي وصفناها آنفاً، تتدبر هذه المظاهر بحساسية، مع حُب، حتى مع فورة من الإعتراف بالجميل، ويُثير هذا الشعور الأخير ما يتحصل من متعة. فالطفل يُداعب الفاكهة التي يُحِب، كما يضرُب الحجر الذي يجرحه. إن مقولات الإنسان البري ليست مختلفة كثيراً. فالأثينيون القُدامى كانوا يُعاقبون علناً الفأس التي كانت سبباً في حادث قتل عرضي، فينصبون المذابح وتُقدم الأضاحي الى قوس قزح. ومشاعر شبيهة بذلك تبرز في بعض المُناسبات في قلب الرجل المتحضر، لكن التفكر الفوري يقمعها، ويمنع أن تتجه نحو موضوعات لا يمكن أن تلائمه. وعلى العكس، فإن ذلك الذي لا يقوده إلا الإنفعال والطبيعة البرية، لا يريد دليلاً آخر، للتلاؤم بين شعور (ما) وموضوعه، إلا أن يختبر أن واحداً يثير الآخر في نفسه.
الإحترام والإعتراف بالجميل هي ما توحي له وتقنعه به بعض مظاهر الطبيعة ، إنها موضوعات ملائمة للإعتراف والإحترام، وفي النتيجة هي تصدر من بعض الكائنات الذكية، والتي تجد متعة في أن ترى التعبير عن هذه المشاعر.
كل غرض إذاً في الطبيعة، سواء بسبب كبره أو جماله، نفعه أو ضرره، مُعتبر بقدر ما يلفت إنتباهه، وحيث أن العمليات ليست منتظمة دائماً، فإنها في نظره تعمل بتأثير من بعض القوى غير المرئية وصاحبة الإرادة. فالبحر سواء كان هادئاً أم مضطرباً بسبب العاصفة رغماً عن نبتون (Neptune)، وسواء غطت الأرض المواسم الخصبة أم لا ، فإن ذلك المعروف يعود الى سيريس (Cérès). واذا ما أعطت الكرمة قطافاً غنياً، فإنه أثر سخاء باخوس (Bacchus). وفي حال منع الواحد كما الآخر عنا عطاياه، فإننا ننسبه الى غيظ هذه الآلهة المهانة، فالشجرة التي تيبس وتزهر على التوالي مسكونة بـ”حورية الغابات” ( Dryade) ، حيث أن المرض والشفاء يُنتجان هذه المظاهر المتنوعة. فالنبع الذي يجري تارة بغزارة وطوراً يجف أو يبدو أنه يجعلنا نشتهي مياهه، وهي تارة صافية ونقية وطوراً عكِرة ومليئة بالطمي. ولا يُعاني النبع من ذلك إلا لأنه مُصاب من أولئك الذين تخضع لهم ربة الينابيع (أو حورية الماء) (Näade) التي تصنع له مكان إقامته. ذلك هو مصدر الحلولية (Polythéisme) ، ومصدر هذه الخرافات العامية التي تعزو كل الحوادث غير المنتظمة لمصلحة، أو بسبب غيظ ، بعض الكائنات الذكية وإن كانت غير مرئية: آلهة، شياطين، سحرة، جنيات، جناني. اذ في وسعنا مُلاحظة أنه في جميع الأديان الحلولية، لدى البريين (المتوحشين) كما لدى العصور العتيقة الوثنية الأولى، فإن الظواهر غير المنتظمة للطبيعة هي الوحيدة التي تُنسب الى فعل وسلطان آلهتهم. النار تحرُق والماء يُنعش، الأجسام الوازنة تنزل والعناصر الأخف تطير وتعلو، وذلك بالضرورة التي تفرضها الطبيعة المحضة لكل جسم، واليد الخفية لجوبيتر (Jupiter) لم تستخدم قط لإحداث هكذا آثار. لكن الإعصار والبرق والسماء الصافية والعاصفة تُنسب له أو الى غضبه. الإنسان، القدرة الوحيدة التي تملك نية ومُخططاً، كان معروفاً عند كُتاب هذه الآراء أنه “ لم يتصرف أبداً إلا لوقف أو تغيير المجرى الذي تأخذه من دونه الحوادث الطبيعية”. فكان من السهل التفكير أن هذه الكائنات الذكية، التي ترسمها مُخيلته والمجهولة لديه، تتصرف في المقاصد نفسها ولا تستخدم نشاطها قط لتيسيير المجرى العادي للأشياء الذي يسير من تلقاء نفسه، ولكن تعمل لوقفه، لثنيه وتعكير صفوه. وعلى هذا النحو، في العصور الأولى للعالم، أخذت الخرافات الأسرع (إنتشاراً) والأكثر جبناً مكان الفلسفة.
ولكن، ما إن توطد القانون والأمان، وتوقف مقام العيش أن يكون هشاً ، ازداد فضول البشر وتضاءلت مخاوفهم. وجعلهم وقت الفراغ المتاح لهم أكثر تنبهاً لمظاهر الطبيعة، وأكثر مراقبة لأقل الأمور غير المنتظمة فيها، وأكثر رغبة في معرفة السلسلة التي تستخدمها كرابطة. فانقاد البشر بالضرورة الى تصور وجود مثل تلك السلسلة بين الظواهر المنفصلة لأول وهلة. وسرعان ما تحركهم مشاعر السمو والغبطة التي يوحي بها، للنفوس الكريمة، التعليم الذي تتلقاه في داخل المجتمعات المتحضرة. حيث قليلاً ما تجد الفرص للشعور بضعفها، والكثير من الفرص لمعرفة قوتها وأمانها. ويجدون أنفسهم أقل قابلية للجوء، من أجل إيجاد سلسلة الربط التي يبحثون عنها، الى هذه الكائنات غير المرئية التي صنعها خوف وجبن أسلافهم الخشنين (الفظين). وأولئك الذين يتمتعون بوضع مُريح، وإهتمامهم لا ينصرف كثيراً الى الأعمال أو المتع، لا يجدون وسيلة أخرى لملء فراغ مخيلة خالية من الهموم التي تجلبها الأعمال العادية للحياة، إلا تأمل ما ينجم عن الحوادث التي تقع من حولهم. وفي حين أن الموضوعات الكبيرة للطبيعة تمر على هذا النحو من أمامهم في عملية مراجعة، يرون البعض منها يتتابع في ترتيب لم يعتادوا عليه أبداً. مُخيلتهم التي تُرافق بيُسر ولذة الطبيعة في نهجها المنتظم، تجد نفسها وقد توقفت وارتبكت من هذه الأمور المتنافرة الظاهرة: تثير دهشتهم، وتبدو وكأنها تلتمس سلسلة حوادث وسيطة تربطها مع شيء سابق، وتقيم في الكون هذا المجرى النظامي، هذا التوافق الناجح الذي يصنع وحدة شديدة الإرتباط. إنها الدهشة إذاً، وليس توقع أي نفع مرتبط باكتشافات جديدة، هي أول مبدأ في دراسة الفلسفة. هذا العلم الذي يطرح على نفسه أن يكشف الروابط الخفية التي توحد المظاهر المتنوعة جداً للطبيعة.فمن أجل إشباع هذا الشعور، يُواظب البشر هذا البحث ويجدون فيه متعة أو نفعاً بدائياً، حيث أن التلذذ يمثل إطراء لهم، من دون التفكير حتى في آثاره وفي الوسائل الحديثة التي يُحضرها لهم للتزود بلذات جديدة.
كانت اليونان والمستعمرات الإغريقية في صقلية وفي إيطاليا وفي آسيا الصغرى أولى الأمم في الغرب، “غربنا”، التي بلغت الحضارة. وفي المحصلة ظهر عندهم الفلاسفة الأول والذين نُقلت مذاهبهم الينا بوضوح كاف. وفي الحقيقة، يبدو بأن النظام والقوانين كانت قد توطدت في الأنظمة الملكية الكبرى في آسيا ومصر، وتمتعت بها طويلاً قبل اليونان. لكن وبعد كل ما قيل عن معارف الكلدانيين والمصريين، فإنه يصعب التقرير في أن ما حازته هذه الأمم من معارف جدير باسم هذا العلم، أم أن الطغيان، العدو الأشد للأمان ووقت الفراغ من الفوضى نفسها، في امتداده على كل الشرق قد كمد النبتات الناشئة للفلسفة في هذه الأنحاء، وتلك مسألة لا يمكن معالجتها وحلها بدقة في غياب الروائع (من الكتابات).
أقيمت المستعمرات اليونانية عند أُمم ، كانت إما وحشية (برابرة) تماماً، وإما غريبة على السلاح والحرب، فسرعان ما حازت عليها سلطة كبيرة: ويبدو أن هذه الظروف قد رفعتها الى أعلى درجة من القوة والوفرة، حتى قبل أن تتخطى أياً من المراكز الأساسية (المتروبول) مرحلة الفقر الشديد. والحال، فإن هذا الوضع (لا يتيح البؤس تقديم مفتاح سر التميَز) من الرُتب المميزة قد صاحبه بالضرورة الإرتباك والفوضى، تبعاً لإفتقاد التبعية النظامية (المرؤوسية). فالجزر اليونانية كانت لا تزال في منأى من كل غزو من جيوش البر، وحتى من كل القوى البحرية، وفي حينه كانت هذه الجزر معروفة قليلاً. ويبدو أنها لهذا السبب سبقت القارة في فن الحضارة، وفي كل أنواع التقدم في المجتمع. وهكذا، فأن أصول أوائل الفلاسفة كما أوائل الشعراء، ظهرت من هذه الجزر أو المستعمرات. كما حال هوميروس (Homère)، وأرخيلوك ( Archiloque) ، وستيسيخور ( Stésichore)، وسيمونيدس ( Simonide)، وسافو (Sapho)، وأناكريون (Anacréon) ، ومؤسسا الفرقتان الأقدم ، طاليس (Thalès)، وفيثاغور (Pythagore)، قد ولدا، واحد في مستعمرة آسيوية والآخر في جزيرة، وكلاهما أقام مدرسته خارج وطنه. فعدم الإكتمال كما أيضاً عدم اليقين في التراثات التي انتقلت الينا، لا تسمح لنا قط أن نقتفي بدقة أنساق (systémes) هذين الفيلسوفين، ولا حتى تحديد ما اذا كانت مذاهبهما قد عُرضت بمنهج مقبول حتى يستحقا اسم نسق، وفي كل الأحوال يمكننا أن نخمن إن مدرسة فيثاغور أحرزت تقدماً أكثر من ذلك الخاص بأيونيا (Ionie) في دراسة مبادىء روابط الطبيعة. وما نقلاه لنا عن أنكسيماندر (Anaximandre) وأنكسيمانوس (Anaximène) وأنكساغوراس (Anaxagore) وأرخيلوس (Archelaϋs)، وهم خلفاء طاليس، قدّم مذهب هؤلاء الحكماء وكأنه محشو بغموض يتعذر حله، بدلاً من أن نجد شيئاً يقترب من الشكل النسقي الذي حمله لنا مذهب أمبادوقليس (Empédocle) وأرخيتاس (Archytas) وطيماوس (Timée)، وأوكيلوس (Ocellus)، ولوكاني (Lucanie)، الفلاسفة الأشهر في مدرسة إيطاليا. وآراء هذين الأخيرين تقترب كثيراً من تلك الخاصة بأفلاطون (Platon) وأرسطو (Aristote)، وآراء الفيلسوفين الأوليَن المذكورين آنفاً طاليس وفيتاغور لا تبدو أنها تختلف عنهما كثيراً: اذ يُنظر الى الأول كمؤلف لمذهب العناصر الأربعة والآخر كمبتدع للمقولات، الى حد يمكن القول معه إنه في عرف القدماء أسس الأول الفيزياء والآخر الجدل، وسنرى الى أي درجة هذين العلمين وثيقي الصلة.
غير أنه في مدرسة سقراط (Socrate) أخذت الفلسفة، من خلال أعمال أفلاطون وأرسطو، هذا الشكل الذي أتاح لها – اذا جاز القول – دخول الكون. اذاً، في ذلك العصر بدأنا نقدم تاريخها في شيء من التفصيل. وكل ما كان مُعتبراً في الأنساق السابقة، ويُمكن له أن يتوافق بأي طريقة مع مبادئهم، ضمه هؤلاء الفلاسفة وعن طيب خاطر الى فلسفتهم. ولم أتمكن من الكشف عن إستعارتهم من الفلسفة الأيونية، لكن الواحد كما الآخر، يبدو أنهما نهلا من مدرسة فيثاغور المبادىء الأساسية لمذهبيهما.
ويبدو أن أفلاطون قد استعار شيئاً من الفرقتين الأخريين للفلاسفة، والتي حال الغموض الشديد لمعتقداتهم من إكتسابها شهرة واسعة. واحدة من الفرق تعود الى كراتيل (Cratyle)وهيراقليط (Héraclite)، والأخرى خاصة بكزينوفان (Xénophane)، وبارمنيدس (Parmènide)، ومليس (Mèlisse)، وزينون(Zènon) .
إن الإدعاء بإنقاذ الأنساق الفلسفية لهؤلاء الحكماء السابقين على سقراط من النسيان الذي يحوطهم سيكون مثابة وضع مُخطط لا فائدة منه، ولا يمكن أن يكلله النجاح. اذ تكفي الإشارة العابرة، وبقدر ما نتقدم في (البحث) الى ما يمكن أن نشتبه بأنه كان يُعطى من مدارسهم.
نحن نعرف أيضاً مدرسة فلسفية أخرى سابقة على أفلاطون، لكن يبدو أنها كانت بعيدة جداً بحيث لم يستفد منها شيئاً، لكن نجده، على العكس، يستعمل كل قواه للحطّ من قدرها ونقض مبادئها. وهذه المدرسة كانت تعود الى لوكيبوس (Leucippe) ، وديموقريطس (Dèmocrite)، وبروتاغوراس (Protagore)، وهي وحدها من خضع أمام قوة بلاغته. وقد بقيت هذه الفلسفة في سُبات وشبه منسية خلال عدة أجيال، الى وقت أحياها فيه أبيقور (Epicure) مع كثير من النجاح.

نظرية الفضيلة: دراسة مقارنة بين أفلاطون والفارابي

منير سغبيني

باحث وأستاذ جامعي

لا يفهم الفارابي إلا من خلال معرفتنا لنظرية الفيض. فالفلسفة الفيضية هي أساس كل تفكير فارابي. ومفهوم الفضيلة يجب أن تؤخذ ضمن اطار هذه الفلسفة.
اعتبر الفارابي النفس الانسانية كصورة كاملة لفعل العقل الفعّال. يقول فيها، أي النفس البشرية، انها «أرقى الصور الأرضية، وهي أفق بين العالم السماوي والعالم الأرضي، تأتي درجة وجودها بعد العقل الفعّال مباشرة، لأنها أفضل وجود صدر من هذا العقل» (1).
ان فضيلة النفس البشرية، بالنسبة إلى الفارابي، تكمن في أنها تدرك ذاتها وتدرك المعقولات المفارقة. فلو كانت «النفس موجودة في آلة لكانت لا تدرك ذاتها دون أن تدرك معها آلتها»(2). والدليل الثاني على كون النفس الإنسانية تنهم بفضيلة أسمى من الفضائل الأخرى، هي كونها لا تخضع للقوانين الطبيعية، لأنها مفارقة لها. فالمعرفة، معرفة النفس لذاتها ولقدراتها ومعرفتها لذاتها كونها قوة متحركة لذاتها وظابطة سلوكها ومنظمته، لدليل ساطع على أن النفس تنعم بفضيلة صادرة عن العقل الفعال وهي أسمى الفضائل كلها.
1- الفضيلة والمعرفة
يربط الفارابي الفضيلة بالمعرفة وفقاً لخطه الفلسفي- الفيضي، فكما أن المعرفة لها درجات ولها ارتقاؤها، كذلك الفضيلة لها درجاتها وارتقاؤها، فلا يمكن اذًا فهم ومعرفة الفضيلة إلا من خلال معرفتنا لذواتنا ولمقدرات النفس الإنسانية ولقواها الفاعلة.
ان المعرفة الإنسانية، يقول الفارابي، هي مرتبطة مباشرة بنظام الوجود العام. وهي مرتبطة أيضاً بتسلسل الموجودات عن الأول. فكما أن الوجود يبدأ بالوحدة، وينتهي إلى الكثرة في عالم تحت القمر، كذلك تبدأ المعرفة الإنسانية النظرية، كما لاحظ عبدو حلو، من حالة الإنقسام هذه، وهي حركة معاكسة لحركة الفيض من أعلى إلى أدنى، لأنها رجوع من الكثرة إلى الوحدة. فدرجات الإدراك عند الفارابي ليست في الواقع سوى مراحل هذا الصعود من المحسوس إلى غير المحسوس، أي من الكثرة إلى الوحدة(3).
استناذاً إلى ما رود، نستطيع أن نقول بان الفارابي ينظر إلى الفضيلة انطلاقاً من مفهومه الفيضي، فالفضيلة، بالنسبة له، هي واحدة، إنها تصبح كثرة فقط عندما تنحدر إلى أدنى. فكما ان التدرج في المعرفة هو تدرج في الوجود، كذلك ان البلوغ إلى الفضيلة الكبرى، هو تدرج في تعددية الصفات الملازمة للفضيلة الواحدة. فبقدر ما يبلغ الإنسان إلى كمال الصفات بقدر ما يستطيع بلوغ وادراك الفضيلة الكبرى. فالفضيلة الثابتة لدى الإنسان، تكمن في التمييز بين نوعي المعرفة: المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.
فالمعرفة الحسية، يقول الفارابي، تمر بمراحل ثلاث أساسية لبلوغ سعادتها وكمالها الذاتي. بما أنها معرفة حسية، فهي تبدأ بالحواس الظاهرة، ثم ترتفع إلى مستوى الخيال حيث الصور ذهنية غير مادية، ثم تصل إلى الوهم حيث تدرك بعض العلاقات المعنوية القائمة بين الصور المختلفة.
وأما المعرفة العقلية، فهي ادراك للكليات التي تجردت تجرداً تاماً عن المادة وعن اللواحق المادية. وهذه المعرفة لا توجد إلا لدى الإنسان، لأن «الروح الإنسانية هي التي تتمكن من تصور المعنى بحده وحقيقته منقوصاُ عنه اللواحق الغربية، مأخوذاً من حيث يشترك فيه الكثرة، وذلك بقوة لها، تسمى العقل النظري» (4).
وبما ان الفارابي فيلسوف فيضي يحتكم بالعقل والمنطق، فهو يعطي أهمية قصوى للفضيلة من حيث كونها ادراك واكتشاف للعقل الفعّال، الذي منه واليه ترجع وتصدر جميع الأشياء وجميع أفعال الإنسان. فالفضيلة هي في أن تدرك اثر العقل الفعال على افعالنا الحياتية، وعلى نشاطنا الفكري.
ان الشيء الذي يلتقي فيه الفارابي وأفلاطون هو في كون الفضيلة اكتشاف للعالم الآخر، لعالم الروح، لعالم السعادة التي تكمن في تخطي المحسوسات، وادراك قواها الذاتية الكامنة في العالم العقلي.
2- جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة.
أ- أسس الجمهورية الأفلاطونية:
سنبحث أولاً بالأسس التي ارتكزت عليها الجمهورية الأفلاطونية، لكي نبيّن بالتالي أوجه التشابه بين هذه الجهورية وبين المدينة الفاضلة:
ترتكز الجمهورية الأفلاطونية أولاً على العدالة، فالفضيلة بالنسبة إلى أفلاطون ما هي إلا العدالة التي تسود الجمهورية . وهذه العدالة هي قائمة على الطبيعة وليس على العرف، كما يدعي السفسطائيون. والعدالة الحقة، يقول أفلاطون، يجب أن تبنى على التعاون بين جميع أفراد الأمة أو الجمهورية.
والأساس الثاني للجمهورية، هو التمييز بين الأحداث أصحاب الإستعداد الحربي وتعليمهم أصول الحياة المتبعة في الجمهورية. فالتربية ليست اكراه بل اختيار، وبهذا الأمر تصبح التربية فاضلة.
والمرتكز الثالث الذي عليه تقوم الجمهورية الأفلاطونية هو الإقتناع الذاتي. فكل فرد من أفراد الجمهورية يجب أن يقتنع أو أن تكون لديه القناعة الكاملة والواعية لذاته ولوضعه الإجتماعي. وهنا كمال المعرفة والفضيلة.

أوّلية العقل في فلسفة سعاده: قراءة في أطروحة الفيلسوف عادل ضاهر

علي حمية
باحث وأستاذ جامعي

تتناول هذه الورقة ما أسماها المفكر القومي الدكتورعادل ضاهر أطروحة “ أوًلية العقل” في فلسفة أنطون سعاده، حيث رأى أن العقل، لسعاده، هو دليل الإنسان النهائي الى المعرفة. وترتكزهذه الورقة، بشكل رئيسي، إلى كتاب الدكتور ضاهر “أوّلية العقل” (الطبعة الأولى 2001) وكتاب “المجتمع والإنسان” ( الطبعة الثانية 2006)، بالإضافة إلى كتابات فلسفية لسعاده، لاسيّما كتاب “جنون الخلود” وكتاب “الصراع الفكري” (1942) وكتاب “شروح في العقيدة” (1958).

يبدأ الدكتور ضاهر دراسته (*) عن مفهوم العقل في فكر سعاده بالسؤال التالي: ما معنى القول بأوّلية العقل؟ ويجيب بأن هذه الأطروحة قد تأخذ بمعنيين، معنى معياري ومعنى إبستمولوجي. إن التأويل المعياري لأطروحة أولية العقل، برأيه، ليس غرضاً هنا، فلا معنى، في نظرسعاده ، لمقارنة العقل بالجوانب الأخرى للنفس، بالجانب الإنفعالي، مثلاً. ذلك إن ما نفعله، في هكذا مقارنة، لا يتجاوز الفصل، نظرياً، بين وظائف مختلفة للنفس، فضلاً عن أنه لا يمكن الفصل، عملياً، بين العقل وهذه الوظائف. إن التأويل الإبستمولوجي لأطروحة أوّلية العقل هو، أذن، التأويل الذي يعنينا، هنا. ويلخص الدكتور ضاهر ما تعنيه الأولية الإبستمولوجية للعقل في الأطروحات الأربع التالية: 1- العقل، بين كل المصادر الممكنة لاعتقاداتنا وقراراتنا ومواقفنا، هو الأكثر موثوقية في تقريبنا من معرفة الحقيقة والصواب. هذه الأطروحة لا تنفي(ضمناً) إمكان وجود مصادرأخرى لاعتقاداتنا غير العقل، فقد يكون مصدر بعض هذه الإعتقادات سلطة دينية أو زمنية، أو علم التنجيم، أو مرويات ينقلها الخلف عن السلف، أو أحاديث نتناقلها بالتواتر، أو غير ذلك من مصادر يصعب حصرها. إن ما تقوله هذه الأطروحة، إذن، ليس أن العقل هو السلطة الوحيدة الموثوقة أو أنه لا يجوز اللجوء إلى أي مصدر غير العقل في كل ما يخصّ شؤون المعرفة النظرية أو العملية. إن ما تقوله هو أن أي مصدر قد نلجأ إليه غير العقل، مهما كانت درجة موثوقيته، فإنها لا ترقى إلى مستوى موثوقية العقل(1).
1- في كل الحالات التي تتعارض فيها الإعتبارات العقلية مع الإعتبارات غير العقلية، فإن العقلية منها تكون مبطلة لغير العقلية. فإذا كانت السلطة المستمدّة من اعتبارات غير عقلية لها ما يوجبها في ظلّ ظروف معيّنة، فإن هذا الموجب لا يجب أن يُنسينا أن موثوقية هذه السلطة تأسست على أدلة عقلية، وأنه في أي لحظة قد تظهر أدلة عقلية جديدة فإن موثوقيتها ستكون، حكماً، موضع سؤال. وفي حال ظهور أدلة كهذه، فإن اللجوء إلى مثل هذه السلطة يصبح أمراً متعارضاً مع الإعتبارات العقلية(2).
-1 كل ما نزعم معرفته على أساس غير عقلي هو مجرّد اعتقاد، ليس أكثرّ. إن اللجوء إلى مصدر غير عقلي – كائناً ما كان هذا المصدر- لا يمكن أن يعني، من الوجهة الإبستمولوجية، أكثر من أن الإعتقاد المستمدّ من هذا المصدر، في غياب أي سند عقلي، هو مجرّد إعتقاد. لنفترض أن شخصاً ادّعى أنه يعرف أن حصاناً ما سيفوز في سباق الخيل وأن ادعاءه مبني على مجرّد إحساس داخلي لديه، ولنفترض أيضاً أن هذا الحصان فاز فعلاً. فهل يمكننا، في هذه الحالة، أن نقول أكثر من أنه اتفق أن اعتقاد هذا الشخص هو اعتقاد صادق وأنه، مع ذلك، لا يرقى إلى مستوى المعرفة؟(3).
في مناظرة في بيروت، مطلع 1938، ضمّت سعاده إلى شارل مالك وأحد أساتذة الفلسفة الأميركان، حول موضوع المعرفة والحقيقة والوجود، سأل الدكتور مالك وضيفه الأميركي سعاده هذا السؤال: “إذا افترضنا أن زلزالاً حدث في القمر ودكّ جبلاً فهل يكون الجبل اندك أو لايكون؟”. فأجاب سعاده: “إن افتراض المجهول لا يكوّن حقيقة. فلا أستطيع القول أن جبلاً في مكان ما اندك أو لم يندك، وإن زلزالاً حدث، إلا بالمعرفة الصحيحة فقط”(4). إن قوله بضرورة المعرفة للحقيقة وعدم كفاية الوجود غير العاقل في ذاته لتكوين قيمة الحقيقة مردّه إلى أن الحقيقة قيمة فكرية تحصل في العقل أو الضمير بواسطة المعرفة فقط. فلا بدّ، في رأيه، لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين: “الأول الوجود بذاته أي أن يكون الشيء موجوداً. والثاني أن تقوم المعرفة لهذا الوجود. والمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها. والذين يستغنون عن المعرفة الإنسانية لتقرير الحقيقة ولقيامها يفترضون معرفة أخرى لهذه الحقيقة. لكن لا يكفي تحديد الوجود لقيام الحقيقة، فالوجود يجب أن يصير معرفة ليكون حقيقة أي أنه يجب أن يُعرف من قبل الإنسان، لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يُميّز بين الحقيقة والباطل بالمعرفة”(5). واضح، هنا، أن موقف سعاده هو موقف الفيلسوف المعتمد المعرفة المستندة إلى العقل، بينما موقف مناظريه هو موقف المعتمد الحدس والتخمين الذي يجعل افتراض المجهول قاعدة للحكم. إن الحدس والتخمين وما إلى ذلك من اعتقادات، برأيه، هي مصادر غير عقلية للمعرفة ولا يمكن الإطمئنان إلى نتائجها.
إفتراض وجود أساس غير عقلي للمعرفة هو نفسه افتراض لا يستقيم بدون سند عقلي. هذه الأطروحة الرابعة والأخيرة تقول أنه لو افترضنا أنه يصدق على بعض الأشخاص ما لا يصدق على أشخاص آخرين، بأن يمتلك قدرة خاصة على الإدراك- كما في مثل الحصان- تتيح له اختصار الطريق نحو المعرفة فيستغني عن اللجوء إلى أدلة عقلية إستقرائية، فإن العقل يبقى دليلنا الأخير على من يمتلك هذه القدرة ومن لا يمتلكها(6).

نقد الثّوابت في الفكر العربيّ: الإخوان المسلمون وحسن البنّا نموذجاً

رجاء بن سلامة
أستاذة محاضرة في جامعة منوبة – تونس.
(*) محاضرة ألقيت في قصر الأونيسكو في بيروت في 9 أيار / مايو 2015، بدعوة من مؤسسة سعادة للثقافة، وقدّم لها الناقد سليمان بختي.

نقد الثّوابت هو عنوان أحد كتبي التي ضمّت مقالات رأي. ونشر في دار الطّليعة سنة 2005. إلاّ أنّنا لا نستحم في النّهر مرّتين، لا لأنّ النّهر يتغيّر فحسب، بل لأنّ المستحمّ نفسه يتغيّر. تغيّر الواقع، وتغيّرت أنا، ولا يمكن أن أطرق موضوع الثّوابت كما طرقته في سنة 2004، عند تأليف هذا الكتيّب. وترون أننّي هنا أيضا في قلب موضوع الثّوابت، وموضوع الاختلاف، باعتبار أنّه ليس تعدّد المختلفين فحسب، بل اختلاف الواحد عن نفسه. وأضع نفسي هنا في مساحة التّفكيك، وهو مختلف عن النّقد. فالتّفكيك، خلافا للنّقد لا يعتبر نفسه صادرا عن سلطة محاكمة تعمل وفق برنامج مسبق. بعبارة أوضح، أحاول أنا أيضا تفكيك ثوابتي.
منذ عشر سنوات، لاحظت أنّ مفهوم “الثّوابت” متداول في الخطابات السّياسيّة العربيّة وغير متداول في الخطابات السّياسيّة الغربية، أو على الأقلّ في الفرنسيّة . بل إنّ مقابله الفرنسيّ لا يستعمل إلاّ في سياق العلوم الصّحيحة، ولاحظت أنّ هذا المفهوم في العربيّة يستعمل في لغة السياسة والقانون، ولاحظت أنّه مشترك بين كلّ التّيّارات السّياسيّة آنذاك، ممّا يعني أنّه ينتمي إلى قاع عميق مشترك للفكر والخيال السّياسيّين. ما هو هذا القاع؟ حملني الفضول وأنا أعدّ هذه المحاضرة إلى البحث في تاريخ هذه الكلمة “الثّوابت”، فتبيّن أنّها لم تكن تستعمل في الدّين ولا السّياسة، ولم تكن تستعمل بمعنى عدم التّغيّر وعدم الاختلاف. ففي القرآن تستعمل الكلمة بمعنى الصّحّة : “وقولٌ ثابتٌ: صحيح. وفي التنزيل العزيز: يُثَبِّتُ اللَّهُ الذين آمنوا بالقول الثابت؛ وكلُّه من الثَّبات.” (سورة ابراهيم / 27، لسان العرب) وتستعمل صيغة “الثّوابت” في مجال الفلك للحديث عن الكواكب الثّوابت في مقابل الكواكب السّيارة : “فأقول: الأجرام العالية تنقسم إلى كواكب وإلى أفلاك: أما الكواكب فتنقسم إلى سيارات. وإلى ثوابت، والسيارات سبعة، والثوابت أكثر من أن تحصى. وقد رصد منها ألف ونيف وعشرون كوكباً، والطريق إلى معرفة وجود الكواكب هو العيان لا غير. وإلى معرفة سيرها وإثباتها هو الرصد”.
فمن أين جاء الاستعمال الحديث لكلمة “الثّوابت” في سجلّ سياسيّ ودينيّ وقانونيّ؟
ليس لنا إلى حدّ الآن معجم تاريخيّ للّغة العربيّة يبيّن تطوّر الكلمات، نظرا إلى انعدام معجم تاريخيّ للّغة العربيّة، لكنّ المعرفة الرّقميّة تسمح لنا بتدارك هذا النّقص إلى حدّ ما. فقد تبيّن لي، إلى أن يأتي ما يخالف ذلك، أنّ أوّل استعمال لها بالمعنى الجديد وفي سجلّ غير سجلّ الفلك يعود إلى أدبيّات تنظيم الإخوان المسلمين، وإلى حسن البنّا (1904-1949) أساسا، حتّى إنّ أحد تلاميذه اعتبر التّمييز بين “الثّوابت” و”المتغيّرات” أساس “منهاجه” . فـ”الثوابت هي الأمور التي ينبغي أن تظل دون تغيير أو تبديل على مر الزمان واختلاف المكان، وهي بمثابة القواعد الحاكمة على الأفراد، والإطار الضابط لسلوكهم وتصرفهم، والميزان الدقيق الذي لا يخطئ، والذي يتميزون به عن غيرهم، لهذا فإن الثوابت ليست مجال مساومة ولا مراجعة… أما المتغيرات فهي الأمور التي يمكن أن يعتريها التبديل والتغيير والتأويل والتطوير، ويعتبر التغيير فيها أمراً لا يخرج الأصل عن استمراريته وخصائصه المميزة التي لا تمس أساسياته، فهي أمور مرنة لأن تغيير الزمان والمكان يحتاج مرونة وتكيفاً، وتجاوباً مع الاحتفاظ بالثوابت، والله عز وجل أودع في الإسلام من الثوابت ما يضمن به الاستمرار، ومن المتغيرات ما يكفل له بها الصلاحية، والملاءمة لكل الظروف والأزمان.”
كيف ميّزت الدّعوة الإخوانيّة بين الثّابت والمتغيّر؟ وكيف نميّز بين الثّابت والمتغيّر؟ وإذا تغيّر المتغيّر داخل الثّابت، فكيف يبقى ثابتا مع ذلك؟ إذا فرضنا مثلا وجود جسم ما، وفرضنا أنّ جزءا من هذا الجسم يتغيّر وجزءا منه لا يتغيّر، فكيف لا يصيب التّغيّر كامل الجسم؟ إذا تغيّرت جزئيّة ولو طفيفة في الجسم، أفلا يكون كامل الجسم قد تغيّر؟ وكيف يمكن علميّا أن يبقى الثّابت ثابتا والحال أنّ الذّوات تراه بعيونها الخاصّة، وفي ظرفيّتها الخاصّة؟ والصّعوبة الأخرى في هذا التّمييز تتمثّل في التّناقض التّالي : إذا كانت الثّوابت ثابتة، فما الدّي أدّى إلى الرّغبة في حفظها وتثبيتها؟ إذا كانت الثّوابت ثابتة محفوظة، وإذا كان الخطاب الدّعويّ الإخوانيّ يقوم على ضرورة التّمسّك بالثّوابت، أفلا يتناقض مع نفسه، بحيث أنّ وصفه لواقع الحال هو في الوقت نفسه برنامجه؟
الثّوابت كما قلت لفظة استعملت قديما للكواكب التي اعتبرت غير سيّارة. ومعلوم أنّ القدامى اعتقدوا بعدم تغيّر الأجرام العلويّة، سواء كانت سيّارة أم ثوابت. كذّبت الحداثة العلميّة هذا التّصوّر، وبيّنت أنّ الأجرام لها أعمار ومصائر تؤدّي بها إلى الفناء. فالشّمس مثلا وصلت إلى منتصف العمر، وبقيت أمامها أربعة مليارات من السّنين لكي تنطفئ.
فكأنّ فكرة الثّبات التي أطردتها الحداثة من السّماء، سقطت إلى الأرض، والتقفها مؤسّسو التّفكير الأصوليّ حتّى يثبّتوا ما تحت السّماء، فلم تعد الثّوابت في العربيّة كواكب سماويّة، بل أصبحت أفكارا أرضيّة منزّهة عن التّغيّر والكون والفساد.

صابئة حران والصابئة المندائية

طارق شمس

باحث وأستاذ جامعي
أبرز طائفة وأكبرها في حران في الأساس هم الصابئة، حتى ذكر المقدسي: “…ومدن الصابئين بالرها وحران في جميع المملكة”(1). ويختلف في اصل التسمية، فالبعض يطلق عليهم إسم الصابئة المندائية، بينما يذهب الآخر إلى اعتبار صابئة حران مختلفين تماماً عن المندائية ، وأن التسمية تعود إلى العام 218هـ/ 833 م، عندما مرّ الخليفة المأمون العباسي بحران متجهاً نحو بلاد الروم، فإذا به يلتقي مجموعة من الحرانية يرتدون زياً غريباً، عبارة عن أقبية(2) وشعورهم طويلة فسأل عنهم وأمرهم بان يختاروا ديناً سماوياً، وإلا فإنه عند عودته فسيأمر بقتلهم ، عندها عمد هؤلاء إلى حلق شعورهم وتركوا لبس الأقبية ، وتنصر بعضهم، وأسلم آخر ، بينما ادعى من تبقى منهم أنهم من الصابئة(3) وفي ذلك ينقل عن ثابت بن قرة قوله: “ لقد اضطر الكثيرون منهم (الصابئة) أن ينقادوا إلى الضلال خوفاً من العذاب ( مشيراً إلى إسلامهم بعد مرور المأمون بهم) ، أما آباؤهم ، فقد احتملوا ما احتملوا.. ونجوا ببسالة ، ولم تتدنس مدينة حران، هذه المدينة المباركة بضلال الناصرة “(4)، مما يظهر أن ثابت بن قرة بقي على دين الصابئة .
أما الصابئة المندائية ، فهم الصابئة الحقيقيون الذين هاجروا من موطنهم في فلسطين العام 70 بعد الميلاد إلى حران بسبب مضايقة اليهود لهم، وكانت أزياؤهم شبيهة بزي الحرانيين ، ويذكر كتاب “حران كويثا”، وهو كتاب تاريخي للصابئة ، يذكر هجرتهم ، وكيف فرّ الصابئة من فلسطين بحثاً عن موطن لهم في جبال ميديا ويقول الكتاب “وفي حران، وجدوا أخواناً لهم في الدين” مما يدلّ على وجود صابئة في حران أيضاً واختلطوا بأقوام أخرى، وهم الوثنيون الذين كانوا حينها مضطهدين من الكنيسة المسيحية . وتأثر الصابئة المندائية بالفلسفة الأفلاطونية التي كان يؤمن بها الوثنية، واختلطوا معهم، وعملوا معاً في بلاط الخلافة العباسية: لذلك اختلط على الكثير من المؤرخين بين الصابئة الحقيقية والوثنية”(5).
أما أصل التسمية ، فهو يعود على ما يبدو إلى (صبا) الآرامي، أي يرتمس ويتعمد ، وقد اشتهر هؤلاء بالإرتماس في الماء الجاري ، وكانت الطهارة عندهم عن طريق الاغتسال في الماء(6) وهو ما اورده ابن النديم عندما أطلق عليهم إسم “المغتسلة ”(7).
كما ورد تفسير آخر لأسمهم ، وهو : صبأ ، أي خرج عن دين آبائه إلى دين آخر . ويعتبر سيد قطب في كتابه “في ظلال القرآن” أن الصابئين على الأرجح هم تلك الطائفة من مشركي العرب قبل البعثة النبوية الذين ساورهم الشك فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام، فبحثوا عن عقيدة يرتضوها، فاهتدوا إلى التوحيد وقالوا إنهم يتعبدون على دين الحنفية الأولى ملة إبراهيم واعتزلوا عبادة قومهم ، فقال عنهم المشركون إنهم ( صبأوا) أي مالوا عن دين آبائهم(8).
وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ” أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون”(9).
ويعتبر الدكتور عبد المنعم ماجد أن هذه الديانة حدث لها ما حدث للحنفية(10) في الجزيرة العربية، حيث تحولت” إلى عبادة النجوم والسيارات السبع : كزحل والمريخ والمشتري والشمس والقمر… الخ.. كما انهم جعلوا لها صوراً وتماثيل.. فظهر هنا عبادة الأصنام ، وسموا بعبدة الكواكب”(11).
أما عن حياة هذه الطائفة في حران ، فلا نملك المعلومات الكافية حولها، وقد يكون ذلك بسبب حفاظهم على سرية ديانتهم “عرفانية سرية “(12) كما أن كتاباتهم لم يتبق منها شيئاً في السريانية، عدا بعض ما ورد عن “ بابا “ الصابئة ، وهو قد يعود إلى العصر الإسلامي(13) وقد يكون ذلك بسب الصراع المسيحي – الوثني – الذي اوردته- حتى أن الليدي دراوور، والتي وضعت أبرز كتاب عن الصابئة المندائية تقول: “ معرفتنا بالدين القديم في حران متأت من ملاحظات الدمشقي المتوفي عام 728هـ/ 1327 م ، أي بعد خراب حران بزمن، حيث لم يبق من دينها إذ ذاك سوى انه كان للحرانين خمسة هياكل عظيمة”(14)
ويبدو أن انطواء الوثنيين في حران على انفسهم، وعدم الوثوق بأي من الطوائف الأخرى، وعدم قبولهم بأي فرد في دينهم – ساهم في ندرة المعلومات عنهم(15) ولا نعثر على معلومات حول هذه الطائفة إلا في القرن الثالث الهجري ، حيث دبَّ الخلاف بينهم على رئاسة الطائفة ، وانقسموا إلى مجموعات تهاجم بعضها بعضاً(16) وهو ما دفع بالعالم الصابئي ثابت بن قرة إلى مغادرة حران نحو الرقة، حيث كانت الجالية الحرانية في الرقة حينها كبيرة(17).
وقد أورد ابن النديم أسماء بعض رؤساء هذه الطائفة في الفترة الممتدة من حكم عبد الملك بن مروان ( 65 – 86 هـ/ 685 – 705 م) حتى حوالي العام 310 هـ/922 م، أي عهد المقتدر العباسي، وهم : ثابت بن أحوسا، تلاه ثابت بن طبون ، ثم ثابت بن قرثيا ، وثابت ايليا، قرة بن ثابت بن إيليا، جابر بن قرة بن ثابت ، سنان بن جابر بن قرة بن ثابت بن إليا، عمروس بن طيبا، ميخائيل بن أهر بن بقراريس، تقين بن قصرونا ( نقين بن مضرونا)، مغلس بن طبيبا، عثمان بن مالي، قرة بن الأشتر، القاسم بن القوقاني، وحول هذا الأخير يذكر ابن النديم أنه كان مسافراً، فعاد ليرأس أربع سنين(عدا التسع سنين التي كان فيها على رأس الصابئة من قبل)، قسطا بن يحي بن زونق ويضيف ابن النديم قائلاً: “ وبعد هؤلاء ممن لم يجلس على كرسي ، وكان مطاعاً يجري مجرى الرؤوساء ، سعدون بن خيرون من بني هرقليس، حكيم بن يحي بن هرقليس”(18).

تغيّر مفهوم العيب عند العرب: حالة عرب خلدة – لبنان

رباب دبس

باحثة

(*) هذا البحث هو الفصل الأول من رسالة دبلوم دراسات معمقة في الأنثروبولوجيا أعدّتها رباب دبس
تحت إشراف الدكتورة مها كيال في الجامعة اللبنانية ـ الفرع الأول
مفهوم العيب كموضوع للدراسة ضمن مجتمع عرب خلدة
عندما نتحدث عن الثقافة اللامادية لمجتمع ما، فإنما نتطرق لمجالات واسعة من المعارف، القيم، المعتقدات، التقاليد…، لا يمكن مقاربتها جميعاً بشكل معمّق ضمن إطار دراسة واحدة، وهو الأمر الذي جعلنا نختار موضوع القيم بالتحديد، ومنه سنأخذ فقط قيمة «العيب». فبرأينا أن الدراسات الميكرو سوسيولوجية يمكنها أن تعمّق رؤيتنا العلمية لموضوع محدد، كما يمكنها أيضاً أن تساعدنا في وعي أدق للتركيبة المجتمعية التي نقوم بدراستها.
يندرج مفهوم «العيب»، كما نعلم، في إطار القيم التي تحملها الجماعة «كأحد أشكال الضبط الاجتماعي الخاص بها وكشكل من أشكال تنظيم السلوك الجنسي»1. هذا المفهوم ما زال تأثيره فاعلاً في التركيبة المجتمعية لعشائر عرب خلدة، مجتمع هذه الدراسة، خصوصاً وأن هذا الأخير ما زال يحمل في الحياة المعيشية الكثير من خصائص مجتمعات العشائر العربية، التي عرفتها مناطقنا العربية عموماً، ومن ضمنها لبنان. فهذا المجتمع ما زال، كما غالبية المجتمعات العشائرية، شديد الضبط الاجتماعي لناحية العادات والتقاليد التي بمعظمها لها خصوصية مرجعية، لها أعرافها الخاصة في نظامها الاجتماعي، هذه الأعراف هي في حياتها، بمثابة القانون الرسمي غير المكتوب.

خصوصية حياة عشائر العرب عموماً ومجتمع عرب خلدة تحديداً من خلال قيمة العيب
تتميز حياة عشائر العرب عموماً بمنظومة اجتماعية مختلفة عن سواها من المجتمعات الأخرى، من حيث خصوصيتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
لقد عُرف هؤلاء بأنهم مجتمعات كانت تلتحف السماء سقفاً لها والأرض مرعى لمواشيها، وأنها كانت غير خاضعة لمنظومة الجغرافيا الثابتة، ولا لمفهوم الاقتصاد الحديث. وكانت هذه المجتمعات تتربع على أرضها. أما زعماؤها فقد كانوا بمثابة السلاطين والأسياد على عشيرتهم وقطعانهم.
لقد ضَمن الاستقلال المادي والجغرافي الذي تمتّعت به عشائر العرب عبر التاريخ حرية هؤلاء الذين يمكن توصيفهم بأنهم مجتمعات حرة، فهم لا يرتبطون بمكان وزمان ولا بأي اقتصاد، ولا يقبلون سوى سلطتهم التي يصيغون دستورها الاجتماعي وفق حياتهم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
لقد حتّم النمط الاقتصادي لعشائر العرب والذي كان قائماً على الرعي، تكاتف معظم أبناء العشيرة للقيام بإنجازه، من الزرع الى رعي الماشية وحلبها وتسوية إنتاجها من الاكتفاء الذاتي. كما ساهم نمط الاقتصاد الجمعي ضمن ملكية العشيرة الواحدة في تعزيز العصبية وتثبيت دعائمها كونها أساس قيام المجتمع العشائري وثباته.
ولعشائر العرب خصوصية ثقافية يتّبعها أفراد المجتمع، ويتقيدون بها، وتعتبر منظومتها بمثابة الدستور الذي يضبط الجماعة ضمن الخط الواحد للعشيرة.
ويقوم المجتمع العشائري على ثقافة المنع، كأحد الضوابط التي تحمي نظام العشيرة من الوقوع في العيب، ويقرّ في دستوره بالمسموح والممنوع عبر قوانين يقوم بضبطها الشيوخ ، حيث لا نصوص مكتوبة بل العرف هو سيد الأحكام.
ويقر العرف لدى العشائر العربية ويُعمل به لضبط مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة، ويشمل معظم الأمور: الزواج، الطلاق، الإرث، الثأر، الشرف، الموت، المرأة، إكرام الضيف، الفزعة العربية، إغاثة الملهوف والضعيف.. وغيرها…
إن الكثير من المجتمعات العربية ما زالت تتحرك على وقع قانون العيب العشائري حيث تنال المرأة منه النصيب الأكبر من الضغط الممارس عليها، فثقافة العيب تحرم المرأة من العافية النفسية، وتحدد لها مساحة ضيقة جداً ضمن ممنوعات كثيرة، مثل التعليم والعمل والخروج والزواج.

صور في التاريخ: قراءة في كتاب المؤرخ معن عرب

سلام إبراهيم

باحثة

(*) نُعيد في ما يلي، نشر هذه الدراسة القيّمة للباحثة سلام ابراهيم والتي نُشرت مجزوءة في العدد الماضي، بعد أن حُذفت منها، نتيجة لخطأ فنّي، يتحمّل التحرير مسؤوليته، علامات الهوامش في متون النص، ما اقتضى التنويه.

“كل شيء قد قيل”. بهذه العبارة لـ “لابرويير”، منذ أكثر من ثلاثمئة سنة يبدأ معن عرب مقدمة كتابه “صور حاضرة فينيقيا”(1). ولدى قراءتنا كتابه ، نجد أنه بهذه العبارة هنا إنما يروم من الـ“كل شيء” الذي قيل، ما بلغ قمة جمالية الوصف والمكانة لهذه المدينة في شعر الأولين في تاريخ العالم القديم وما بعيده، شعراء ورحالة و“مستألهين” يستنطقون الآلهة سرد ولادة هذه المدينة وجماليتها ومكانتها وفرادة بحارتها وأشرعتها وسحرها. فـ“صور” لهؤلاء مقام إلهة تقيم في الأرض على شكل صخرة وميناء وعلى شكل بحارة يخوضون البحر بقدر ما يخوضون البر عمراناً وتجدداً وامتداداً. فبتواضع الباحث وعقلانيته يعلن في مقدمته هذه أنه أراد من هذا الكتاب أن يكون “نقطة انطلاق لمحاولات أكمل وأفضل في هذا المجال” ( المقدمة ص. أ) وهي دعوة من “فم الذهب”. ويبدو لنا هنا أن معن عرب ، باحثاً في تاريخ مدينة سكنتها الآلهة قبل البشر، على قناعة أنه لم يُقل كل شيء بعد في تاريخها هذا. أما كتابته من جديد هذا التاريخ – كما يقول – فلسببين : أولهما “أن هذا الكتاب هو أول محاولة في العربية” – حتى تاريخ إصدار هذا الكتاب – للبحث في تاريخ صور، وثانيهما أن “أحدث كتاب عن صور في اللغات الأجنبية قد مضى أكثر من نصف قرن على صدوره ، حتى صدور هذا الكتاب” (المقدمة ، ص أ) .

وأن نجول في هذا الكتاب بعد حوالي خمسة وأربعين عاماً على صدوره فلثلاثة أسباب : أولاً ، لأننا نروم من هذه الجولة معن عرب راحلاً عن مدينة، تنكَّب ذاته مؤرِّخاً لها وقد تشكَّلت بين رفوف مكتبته عروساً لشغفه وحافزاً لبحثه العلمي في طبقات التاريخ . وهو الذي ، من فرط تماهيه حباً في حبات رملها ، أدمن حنوِّها وظلمها يمعنان فيه رحيلاً قبل الرحيل . فوعده ، بكتاب آخر في “الدين الفينيقي” يستفزنا لتحقيقه له على طريقتنا، وهو بيننا، في مزيد من البحث عن ذاتنا في التاريخ ، نسيجاً إنسانياً – ثقافياً – حضارياً أول في سجل حياة الإنسانية ، يبتدع ذاته مدناً ، منها صور، ويبادر إلى “الآخر” في الإنسانية علماً وفناً وفلسفة على صهوة ماء. أما السببان الثاني والثالث فهما إياهما سببيه الدافعين لكتابته تاريخ صور من جديد . فحتى اليوم ، وبعد مضي حوالي نصف قرن على صدور كتابه هذا، لم يصدر أي كتاب متخصص في تاريخ هذه المدينة باللغة العربية عدا عن توثيق دراسات وأبحاث متفرقة في كتب صدرت عن مؤتمرات وندوات في تاريخ صور عقدت في المدينة خلال عشرين سنة خلت . فأن نلج تاريخ مدينة عمرها آلاف السنين في لحظة رحيل من عدَّ حبات رملها بشغفه القاني المتحفِّز دائماً كلون أرجوانها ، ليس إلا استحضار بعض ما تركه لنا في كتابه ، علّنا نحسن الحوار في بعضه ، معه. فمن ناحية أولى ، حتى اليوم ما يزال بعض ما قيل فيها محل نقاش قيد التاريخ . ومن ناحية ثانية ، فمن قبل صدور الكتاب وبعده وحتى اليوم ماتزال نتائج البحوث العلمية الأركيولوجية والأنتروبولوجية تكشف عن مكنونات طبقات الأرض في نبشيات هذه المدينة والإقليم الجغرافي الحضاري الأشمل الذي تنتمي إليه ، وما تزال تكشف عن محطاتها المتوهجة في تاريخ العالم القديم إرثاً حضارياً إنسانياً امتد عمقاً إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام ق.م.، حتى التاريخ الجلي ، وترك أثره الثقافي والحضاري في تاريخ العالم القديم والوسيط وما بعده وحتى اليوم. وقد شكَّل تاريخ هذه المدينة ، بما هو سجل حياة وليس سجل أحداث، موضوعاً استكشافياً ومعرفياً وجمالياً شغل شغف الرحالة والشعراء في سحرهذه المدينة كما شغل اهتمام الباحثين بين طبقات التاريخ عن واقعها ودورها في حقائق التكون الحضاري من نشأته إلى تشعباته وامتداداته : منذ التمهيد الحضاري وشروطه المولِّدة للحركة الحضارية في الإقليم الجغرافي الطبيعي ، والتي أنجبت مدن الداخل الرافدي كما أنجبت صور وشقيقاتها على طول الساحل الكنعاني. فمن أوروك ونينوى وماري وإيبلا إلى طرسوس ولاتاكيا وطرابلس وبارات (بيروت) والبترون وجبيل وصيدون وعكا ويافا وغزة . بهذا التشكُّل المديني بدأت الحركة الحضارية فعلاً وتفاعلاً في البيئة الطبيعية الثقافية الأشمل والأكمل من وادي الرافدين إلى كنعان تقيم منجزاتها وتصنع محطاتها الكبرى ومفاصلها حركة تاريخية. ومنها، باتجاه الشواطيء القارية للمتوسط شمالاً ( جنوب أوروبا) وجنوباً (شمال إفريقيا) .
فقد شكلت صور ، كما باقي مدن كنعان على الساحل السوري الغربي ، خلفية مستدامة لتقاطعات الحقب التاريخية في تداول المتوسط ذاتاً وحضوراً في تواصل شعوبه وفي تزاحم مدنه وفي علاقات دوله سلماً وحرباً. وقد قدمت مفهوم تواصل فريد بدوره الكبير في تلك الأزمنة، فساهمت في تشكيل العالم القديم ميداناً حضارياً ، وشاركت في تحويل المتوسط إلى مركز حركة حضارية تستوفي شروط الحوار والتواصل والتفاعل بين شعوبه. وفي هذا التشكل الحضاري الممتد في تشكّل العالم القديم ، وفي ظل سلمه وأسنّة رماحه ، ظلت صور معلماً حضارياً في هذا التاريخ، ومحط اهتمام علوم الأركيولوجيا والأنتروبولوجيا وعلوم اللغات القديمة في الزمن المعاصر ، وملهمة الشعراء والمستألهين في أشعارهم، يخوضون ولادتها وإسمها وتاريخها كأسرار آلهة تخوض حياتها على الأرض بين مجاذيف بحارة وبين سحر مدينة التفّت بأرجوانها القاني وأبحرت.

فبعد ما يقارب الثلاثة آلاف وخمسمائة عام من بدء إبحارها، و في منتصف القرن الخامس بعد الميلاد ، ألّف الشاعر نونّوس ملحمة في ثمانية وأربعين كتاباً اشتهرت ببلاغتها ولهجتها الحماسية . وقد دعيت “الديونيزية” نسبة إلى بطلها ديونيزوس ( باخوس) الذي يرسله والده زفس ليخلّص العالم من الشرور والآثام ويجلب الخير للبشرية، ثم يرجع إليه في السماء ليجلس إلى يمناه. وفي الكتاب الأربعين من الملحمة (الأبيات 298 – 580) يزور ديونيزوس صور، موطن قدموس وأوروبا، فيتعرّف على معالمها ويعجب بجمال موقعها، ثم يزور هيكل إلهها ملقرت الذي يرحب به ويقص عليه تاريخ المدينة وتاريخ سكانها: “ترك باخوس بلاد العرب وارفة الظلال مسرعاً بخطاه ووجهته سوريا، راغباً في أن يتفرج على موطن قدموس وبلد الصوريين. وفي أسواقها لفتت نظره المنسوجات الثمينة ، وأعجب بالأقمشة المطرّزة في مشاغل اشور ، والمزخرفة بالفضة من مشاغل بابل ، والمناديل المصبوغة بعصارة الصدفة الصورية” ( المقدمة ص. ج). وبعد أن تجول في المدينة مأخوذاً بطبيعتها البحرية البرية في وصلاتها والتفافاتها بين البر والبحر كـ“عذراء تسبح تاركة للمياه الرأس والعنق والصدر، ناشرة ذراعيها إلى الجانبين، بينما يضفي الزبد على جسدها بياضاً ناصعاً، وترتكز برجليها إلى الأرض، تضم اليمَّ في معانقة متينة” (المقدمة ص. د) . …وازدادت دهشة باخوس عندما دخلها مدينة حصينة “ ففيها فقط يجاور راعي البقر ملاّح السفينة، وسائق الأغنام الصياد يسحب شباكه من البحر، وعلى أصوات المجاذيف تضربُ الماء فاتحة طريقها ، تشق سكك الفلاحة الأرض الغنية الخصبة” (المقدمة ص.د) ….” وبعد أن ودّع باخوس سيد صور، الإله بثوب النجوم، تابع سيره ووجهته باقي البلاد السورية”(المقدمة ص. ج) . “صور ، المدينة التي زارها باخوس ولم يتمالك نفسه عن الإعجاب بها وعن أن يهتف لها عند مغادرتها: أيتها العذراء ، لن أقطن السماء بعد الآن لحبي لك ، فمثواك أجمل من الأولمب” (المقدمة ص. ز) . صور هذه هي التي أراد معن عرب أن يُكتب تاريخها من جديد.

L’inconscient, l’orateur de nos rêves

Jeanine ZIADÉ ABOU-TACCA

Psychologue clinicienne, psychothérapeute

Introduction
Discuter de l’inconscient équivaut à discuter de “l’inconnu”, ou autrement dit, à discuter du “non-conscient”. C’est le sujet de vives discussions entre les scientifiques, les philosophes, les psychanalystes, les psychothérapeutes et, en fait entre toutes les personnes concernées par la nature ou le comportement humain. Il y a tellement d’inconnu qu’en fait ce “tellement” peut être appelé “inconscient”.
Je ne peux absolument pas croire que tous les actes et les comportements humains sont prémédités et par conséquent considérés consciemment à la lumière de nos systèmes identifiables de pensée. De même, il m’est impossible de croire que le mot inconscient est un mot qui peut seulement se référer à la psychanalyse. Un très grand nombre de nos actes et presque toutes nos fonctions organiques sont gouvernées par les couches les plus profondes de courants sous-jacents dont nous avons peu connaissance. Ils sont donc inconscients mais nous vivons leurs effets de manière consciente. Nous ne disons pas à nos régulateurs biochimiques d’augmenter ou de diminuer la quantité de telle ou telle hormone. Tout ceci est fait par le biais d’activités inconscientes et nous ne remarquons qu’une toute petite partie de leurs effets. De la même manière, nous nous retrouvons à penser des pensées régulatrices alors même que nous voudrions être leurs maîtres, comme le cas d’une personne, assise dans un fauteuil avec des pensées agréables, peut être interrompue par les propos désagréables de quelqu’un. Après deux ou trois minutes passées à étudier les propos de cette personne, elle essaie de revenir à ses pensées agréables. Mais l’impact a eut lieu: elle est maintenant incapable de se débarrasser de ses réactions à l’interruption, même longtemps après que l’autre se soit arrêté de parler. Elle peut même rester dans son fauteuil pendant une demi-heure en essayant de se sentir bien alors qu’en fait elle se sent mal. Elle peut aussi ne plus vouloir rester assise car elle est irritée et donc se lever et sortir de la maison. Donc la personne vit son monde et choisit consciemment et inconsciemment de le vivre à travers une réalité essentielle qui manifeste le sens de ses systèmes de croyances et de ses expériences dans ses relations avec l’autre. Se pourrait-il que cette réalité se trouve dans notre inconscient? Pourrait-on envisager la possibilité que notre corps, nos actions corporelles et nos émotions réagissent en fait à des situations vécues? De là, je me demanderais comment nous vivons, de qui nous sommes dans chaque situation et comment se manifeste ce vécu dans nos rêves?

L’acteur dramaturge, une réponse aux exigences du jeu contemporain

Christelle Nassar
Actrice et maître de conférence à l’institut des Beaux-Arts (U.L.)

L’acteur contemporain : exigences de jeu

Dans le théâtre de la parole, l’acteur se voit confronté à de nouvelles exigences. Un jeu où il fait face à ses images multiples, à son dédoublement, à la dissociation de sa voix et de son corps… Il est mis sous une tension d’exigences différentes de celles auxquelles sa formation l’a préparé, puisqu’il ne recherche pas à recréer une personne réelle. Ainsi, « en le plaçant a un endroit de jeu et d’invention qui n’est plus celui de la simulation, mais celui de la performance : il (l’acteur) ne doit pas imiter des actions mais accomplir des actes de parole » (RYNGAERT & Sermon, Le personnage théâtral contemporain: décomposition, recomposition, 2006, p. 65). Bien que pour la recherche du sens, le théâtre semble se résoudre à la parole : « C’est parler qui fait être, sans illustration » (Ibid.), pour l’acteur en performance ses composantes ne sont pas éliminées : son corps est là, sa voix est là, son imagination, ses affects… C’est leur modalité d’usage qui s’est transformée. Si le sens de la pièce est surtout porté par les jeux de la parole, l’acteur lui est en pleine « performance », sauf qu’il semble ne plus l’être parce qu’il a dû rompre avec l’imitation du réel.
Dans une de mes notes de recherche récentes, j’ai avancé l’hypothèse qu’il serait probablement plus adéquat de parler dans le théâtre d’aujourd’hui d’un personnifié plutôt que d’un personnage. Ce que fait l’acteur contemporain serait au juste de porter dans la chair d’une personne des contenus dramatiques plutôt que des personnes. La mimésis a cédé sa place à une autre conception du théâtre, et le jeu de l’acteur est devenu une sorte de mise en chair, une incorporation ou incarnation de perspectives, d’idées, d’expériences… Ceci est vrai, tout au moins, quand on parle de la méthode Soufie (1) de formation d’acteurs et du théâtre qu’elle produit.