في ماهيّة الفلسفة وضرورتها

ناصيف نصار
فيلسوف عربي معاصر

في 28 أيار/مايو عام 585 ق.م. أي منذ 26 قرناً، استطاع طاليس ذو الجذور الفكرية المشرقية، أن يتنبّأ بحدوث الكسوف ويحدّد موقعه بدقّة.. الأمر الّذي دفع المؤرخين لأن يعتبروا ذلك التاريخ بداية انطلاق الفلسفة.
إحتفاءً بهذه المناسبة، ننشر في ما يلي دراسة للفيلسوف ناصيف نصار بعنوان “ماهيّة الفلسفة وضرورتها”، كان قد ألقاها في الرباط في حفل تكريمه في شباط/فبراير 2014، ونشرها مركز دراسة الوحدة العربية في كتاب صدر مؤخّراً تحت عنوان “ناصيف نصار: من الاستقلال الفلسفي الى فلسفة الحضور” ضمّ الى هذه الدراسة مجموعة النصوص التي ألقيت في المناسبة. كما ننشر مقالاً لمؤسس علم الإقتصاد السياسي آدم سميث تحت عنوان “أصل الفلسفة” مستلاًّ من كتابه “مقالات فلسفية” الذي ترجم الى الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.
مقدمة
-1 القول في ماهية الفلسفة:
إن القول في ماهية الفلسفة ملازم لخطابها وتاريخها. فهو إذن، قول فلسفي في الفلسفة؛ قول يسأل عن ماهيّة الفلسفة من داخل الفلسفة. فكيف يمكن ذلك؟ يفترض الجواب أن السؤال عن الماهية من اختصاص الفلسفة، بحيث يكون السؤال عن ماهية الفلسفة سؤالاً تطرحه الفلسفة على نفسها عن نفسها، على شاكلة السؤال عن ماهية أي ظاهرة من الظواهر في العالم. ولكن، ألا يعني ذلك أن فلسفة الماهية هي ماهية الفلسفة؟
الاستنتاج صحيح؛ ولكنه لا يخلو من التباس، فلا بدّ من توضيحه بحيث يكون معناه أن فعل الفلسفة لا ينحصر في مسألة الماهية على العموم فقط، بل يعتبر هذه المسألة مدخلاً إلى البحث في مضمون كلّ ماهية، ومن بينها ماهية الفلسفة. إذا كان ثمة ماهية للفلسفة، بموجب فلسفة الماهية على العموم، فما هي تلك الماهية على الخصوص؟ ما الفلسفة؟ ولماذا الفلسفة؟ وأين نحن من الفلسفة؟ هذه أسئلة كانت ولا تزال جوهريّة من أجل التفلسف: وفي الحقيقة، يكفينا من فلسفة الماهية قولها بوجود عناصر تكوينية ثابتة مميّزة للظواهر بعضها من بعضها الآخر، حتى نشرع في البحث عن ماهية الفلسفة من دون أي ادّعاء مسبق حول نوعيّة عناصرها ومدى ثباتها عبر العصور والممارسات المختلفة. وهذا يعني أن القول في ماهيّة الفلسفة يفترض إمكان القول في الماهية، ويحكم القول الفلسفي في جميع الظواهر على أنواعها.
-2 خصوصيّة القول في ماهيّة الفلسفة:
تظهر خصوصية القول في ماهية الفلسفة بمزيد من الوضوح بمقارنته مع القول في ماهية الدين، والقول في ماهية العلم، والقول في ماهية الفن. فلا شكّ في أن الوعي الديني ينطوي على شعور ما بماهية الدين؛ ولكنه لا يهتمّ فعليّاً بالبحث في ماهية الدين بقدر ما يهتمّ بتحقيق الدين وبسط مضامينه ومستلزماته في حياة الناس، أفراداً وجماعات. ينتقل الوعي الديني من الشعور بماهية الدين إلى التفكير مليّاً في ماهية الدين إذا تسرّب إليه السؤال النظري العام عن ماهية الدين، وهو سؤال فلسفي بامتياز. ومن هنا، فإن الثقافة التي لا تمتلك نتاجاً متيناً من فلسفة الدين لا تستطيع أن تتعاطى مع ماهيّة الدين وعلاقاته بأنشطة الإنسان المتعدّدة بطريقة عقلانيّة ونقديّة عادلة. وكذلك العلم، إذ إنه لا يأبه بالبحث في ماهيته بقدر ما يسعى لمراكمة إنجازاته، ملتفتاً إلى مسألة ماهيته كلّما صادف تقدّمه تساؤلات أو اعتراضات منهجيّة أو تفسيريّة أو تطبيقيّة طارئة. غير أن العلاقة بين العلم وفلسفة العلم تختلف اختلافاً كبيراً عن العلاقة بين الدين وفلسفة الدين، بسبب اشتراك العلم والفلسفة في العقلانيّة والشكّ المنهجي؛ ولكن من دون أن ينفي هذا الاشتراك أن القول في ماهية العلم قول فلسفي، وليس قولاً علميّاً، ولو أنتجه الوعي العلمي نفسه، تماماً كما أن القول في ماهية الفن قول فلسفي، وليس قولاً فنّياً، ولو أنتجه الوعي الفني نفسه. والحقّ أن الفن لا يستدعي الفلسفة على النحو عينه الذي يعرفه العلم والدين، لأنه يتبع قيمة الجمال في المقام الأول، وليس الحقيقة. ولذلك، فإن القول في ماهيته أقل التصاقاً بمشكلة المعرفة من القول في ماهية العلم وماهية الدين وماهية الفلسفة.
وعليه، فإن الفارق الحاسم بين القول في ماهية الفلسفة وبين القول في ماهيات العلم والفن والدين يكمن في مسألة المرجعيّة. ففي حين يحتاج القول في ماهية العلم، وماهية الدين، وماهية الفن، إلى مرجعية الفلسفة، لا يحتاج القول في ماهية الفلسفة إلى مرجعيّة أعلى من الفلسفة. أي أن الفلسفة هي المرجع للقول في ماهية الفلسفة. وليس في الأمر إشكال منطقي، لأن القول في ماهية الفلسفة، بعيداً عن التسلسل إلى ما لا نهاية، ليس سوى عبارة عن وعي الفلسفة بنفسها كموضوع لنفسها وهي تحقق نفسها. الوعي الفلسفي يمتلك في ذاته القدرة على فهم ذاته، وقدرته على فهم ذاته هي نفسها قدرته على تحقيق ذاته. فإذا كان ثمة سرّ، أو ما يشبه السرّ، في انبثاق الوعي الفلسفي في تاريخ الفكر البشري، بوصفه نمطاً خاصّاً من الوعي والتفكير، فإن فهم هذا الوعي لنفسه، بعد انبثاقه، يجري بالتأمل في نفسه عبر تجلّياته وتحوّلاته المتعاقبة. من هنا، بحثه الدائم عن ذاته في مجرى التاريخ، تاريخ الفلسفة، وتاريخ الحضارة، وإمكان تعدّد الأقوال في ماهيّته، الأمر الذي يتيح لكلّ فيلسوف، أو لكلّ عصر من عصور الفلسفة، أن يسهم، بما هو وحيث هو، في بناء وإعادة بناء التصوّر المشترك عن ماهية الفلسفة.
-3 راهنيّة القول في ماهيّة الفلسفة:
إن النتيجة المباشرة لاستمرار السؤال عن ماهية الفلسفة وتجدّده هي أنه راهنٌ اليوم كما كان راهناً في كلّ عصر مضى من عصور الفلسفة .ولعلّه أكثر راهنية اليوم مما كان عليه في العصور الماضية، لشدّة ما عرفته الفلسفة في الأزمنة الأخيرة من توسّع وتفرّع وتخصّص وتشتّت وتضارب في التيار الواحد أحياناً، ولكثرة العقبات التي لا تزال، في ثقافتنا، منذ بدايات عصر النهضة إلى اليوم، تحول دون التعرّف الدقيق إلى أصالة الفكر الفلسفي أو دون الاعتراف بأهمية دوره وضرورة تنميته، أو دون تحديد الطرق الصحيحة للإبداع فيه، بحيث إنه يتوجّب علينا أن نستحضر ماهية الفلسفة، المستمرة من وراء استمرار السؤال عنها، برؤية جديدة، متجاوبة مع متطلبات عصرنا، يظهر فيها المفهوم العام للفلسفة متميّزاً عن مفاهيم الدين والعلم والأيديولوجيا والأسطورة والطوبى والفن، ومتميّزاً أيضاً عن مفهوم المهمّة أو الدور الذي يتعلّق بكيفيّة تحقيق الفلسفة لمقصدها العام بحسب خصوصيّات المجتمعات والثقافات في التاريخ.
لذلك، ينبغي لنا، نحن الناطقين بالضاد، ألّا نتهاون في تحمّل مسؤوليتنا في مسألة راهنيّة السؤال عن ماهية الفلسفة. فالمسألة تعنينا لأسباب كثيرة، نتضافر لكي تدلّنا في الحصيلة على كيف يمكننا أن نتجه في ممارسة الفلسفة. إذا كان للفلسفة ماهية تخصّها، فإن ممارستنا للفلسفة إذا أردنا أن نتفلسف حقّاً تقتضي الانتظام في مفهوم الفلسفة، وليس في مفهوم أي نمط من أنماط التفكير الأخرى، كما تقتضي أن نحدّد بأنفسنا المهمة المتوّلدة من وضعيتنا الحضاريّة الراهنة من أجل إعطاء الفلسفة حقّها وحضورها الفاعل في حياتنا ومصيرنا، ومصير البشريّة من حولنا. وعلى هذا النحو، نستوعب ما يقوله هيغل من أن الفلسفة بنت زمانها، وما يضيفه ماركس من أن الفلاسفة لا ينبتون كالفطر. فالممارسة الفلسفية بنت زمانها من حيث إنها تحدّد مهمتها تجاوباً مع أسئلة عصرها وتحوّلاته العميقة؛ ولكنها، إذ تفعل ذلك، تحيل على ماهية كونيّة للفلسفة تجد نفسها مسوغة في إطارها. المسألة تعنينا لأسباب كثيرة. وإذا أردنا تقريبها من إفهام الجمهور، على سبيل الاختصار والإشارة إلى بؤرة ملتهبة في هذه الأيام في معظم البلدان العربيّة، فإننا نطرح السؤال الآتي: ماذا تفعل الفلسفة في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية وبعدها، في الديمقراطية؟ ثمة مهمة أو أكثر للفلسفة في هذه المرحلة، ليس أقلّها الدفاع عن الديمقراطية ضدّ أعدائها. ولكن من الواضح أن القيام بتلك المهمة، أو المهام، يتأسس على مفهوم محدّد للفلسفة يسوّغ للفيلسوف أن يدافع عن الديمقراطيّة وأن يهاجم أعداءها. بكلام آخر، إذا قلنا إن ماهيّة الفلسفة تحليل منطقي للخطاب وحسب، فكيف يكون دفاعنا الفلسفي عن الديمقراطيّة؟ هل يكفي التحليل المنطقي للخطاب السياسي لكي نعرف ما هي الديمقراطيّة ومن هم أعداؤها، ولماذا نفضّلها على غيرها من الأنظمة الاجتماعية السياسية؟ بالطبع لا. ولكن هذا لا يعني أننا نذهب إلى ماهية الفلسفة مما نرغب لها من أدوار، بل نذهب إلى أدوارها من ماهيتها، بطريقة الاشتقاق والتطبيق في جدليّة التاريخ الحضاري والوعي الفلسفي. وما الدور الذي يمكنها أن تؤديه دفاعاً عن الديمقراطية سوى واحد من الأدوار المتعدّدة التي يمكنها أن تؤديها، بحسب اختلاف المجتمعات والعصور، اشتقاقاً من ماهيتها.

أترك تعليقاً

لن يتم عرض بريدك الإلكتروني Required fields are marked *